يدخل الصراع الأميركي–الإيراني–الإسرائيلي في ما يمكن وصفه بـ"استراحة محارب"، يتحكّم بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، من خلال مفاوضات لا تزال تتّسم بحالة مدّ وجزر في إسلام آباد بين الأميركيين والإيرانيين. ومع ذلك، بدأ يتبلور مشهد واضح يفيد بأن إيران تتنازل تدريجيًا عن بعض شروطها لصالح الولايات المتحدة. ومن بين الملفات التي كُشف عنها مسألة "الأذرع"، من دون تأكيد أو نفي واضح من الجانب الإيراني، ما يطرح سؤالًا أساسيًا: هل ستكون مفاوضات إسلام آباد نهاية لأذرع إيران في المنطقة، وخصوصًا في العراق؟
يؤكد الكاتب السياسي غانم العابد أن إيران تعلم جيدًا أن قبولها بالاشتراطات الأميركية يعني انتهاء نفوذها في المنطقة، وأنها لن تحتفظ بالتأثير نفسه كما في السابق، سواء في العراق أو في سوريا أو اليمن أو لبنان. لذلك، يرى أن طهران تحاول كسب الوقت لتخفيف حدّة المواجهة، أو على الأقل انتظار انتهاء ولاية ترامب، أي السنوات الأربع، على أمل العودة لاحقًا إلى موقعها السابق. ويضيف أن موافقة إيران على هذه الشروط ستقوّض نفوذها بشكل كبير، وتحوّلها إلى دولة ضعيفة التأثير.
ويتابع العابد في حديث لـ"وردنا" أنه في حال وافقت إيران على الاشتراطات الأميركية، فإن أحد أبرز هذه الشروط يتمثل في التخلي عن أذرعها في المنطقة، مثل الميليشيات العراقية، وحزب الله في لبنان، والحوثيين، إضافة إلى الخلايا والشبكات التي تدعمها في أوروبا وأفريقيا.
ويرى أنه إذا شعرت إيران بأن نظامها السياسي بات مهدّدًا، وأن عدم التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة قد يؤدي إلى انهياره، فقد تضطر إلى تقديم تنازلات كبيرة، قد تصل إلى حدّ التخلي عن حلفائها. ويشير إلى معلومات متداولة عن استعدادها لوقف الدعم والتمويل لكلٍّ من حزب الله وحركة حماس، من دون التطرّق بشكل واضح إلى وضع الميليشيات العراقية.
وهذا قد يعني أن الميليشيات العراقية لا تعتمد بشكل كامل على التمويل الإيراني، إذ تمتلك مصادر قوة داخلية، سواء عبر منظومة "هيئة الحشد الشعبي" أو من خلال سيطرتها على مناطق تستثمرها اقتصاديًا بطرق مختلفة، مثل الزراعة أو تهريب النفط أو أنشطة غير رسمية أخرى، كما يُشار إلى مناطق مثل جرف الصخر في محافظة بابل.
ويضيف أن موافقة إيران على الشروط الأميركية قد تؤدي إلى تراجع دور هذه الميليشيات، لكن ذلك لا يعني انتهاء الصراع، إذ قد تعود التوترات في أي لحظة، خاصة إذا رأت طهران أن الاتفاق يهدد بقاء نظامها، مستحضرة تجارب سابقة مثل العراق وليبيا.
ويشدد العابد على أن الميليشيات العراقية تمثل ورقة بيد إيران، لكنها ليست الورقة الأهم مقارنة بملفات أخرى، مثل البرنامج النووي والصواريخ الباليستية والتدخلات الإقليمية. ويرى أن أي اتفاق محتمل سيؤدي في النهاية إلى إضعاف هذه الجماعات، خصوصًا مع تزايد الضغوط الأميركية على الحكومة العراقية لضبط السلاح خارج إطار الدولة.
ويشير إلى أن الولايات المتحدة فصلت إلى حدّ كبير بين الملفين العراقي والإيراني، نظرًا لنفوذها داخل العراق، سواء عبر أدوات اقتصادية مثل عائدات النفط الموجودة في النظام المالي الأميركي، أو من خلال التعاون الأمني والعسكري، إضافة إلى المعلومات الاستخباراتية التي تقدمها للأجهزة العراقية. ويختم بالإشارة إلى أن واشنطن لوّحت بوقف هذا التعاون في حال عدم محاسبة الجهات التي استهدفت مصالحها الدبلوماسية في العراق.
من جهته، يرى الخبير السياسي والاستراتيجي مصطفى الخفاجي أن احتمال تقويض قوة إيران عبر تقديم تنازلات كبيرة يبقى ضعيفًا، مؤكدًا أن الضغوط العسكرية والسياسية لم تنجح سابقًا في تفكيك بنيتها، سواء على مستوى البرنامج النووي أو الصاروخي أو حتى المنظومة الحاكمة.
ويعتبر الخفاجي في حديث لـ"وردنا"، أن إيران قد تناور في بعض تفاصيل برنامجها أو قدراتها، وقد يتم التوصل إلى حلول وسط، لكنها لن تتخلى عن حلفائها في المنطقة، مثل حزب الله أو الحشد الشعبي أو الحوثيين، لأن هذه القوى تمثل خط الدفاع الأول عنها، ومن خلالها تستطيع التأثير في موازين القوى الإقليمية.
ويشير إلى أن ما حدث خلال المواجهات الأخيرة يثبت ذلك، حيث لعبت هذه الأطراف أدوارًا مختلفة في الضغط على إسرائيل والولايات المتحدة في أكثر من ساحة، سواء عبر فتح جبهات أو استهداف مصالح مباشرة.
ويضيف أن المفاوضات لا تعني بالضرورة إضعاف إيران، بل قد تمنحها فرصة لإعادة ترتيب أوراقها، كما حصل بعد اتفاق عام 2015، عندما استطاعت توسيع نفوذها وتعزيز قدراتها العسكرية والاقتصادية.
ويرى أن إيران لن تتخلى عن العراق تحديدًا، نظرًا لأهميته الاستراتيجية والاقتصادية، إذ يشكّل منفذًا حيويًا لها ومجالًا أساسيًا لنفوذها في المنطقة. ويشير إلى أن العلاقة بين البلدين متشابكة بشكل كبير، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو الأمني.
ويختم الخفاجي بالتأكيد على أن العراق سيبقى ساحة صراع وتوازن بين واشنطن وطهران، وورقة تفاوض أساسية في أي تسوية مقبلة، في ظل استمرار التنافس على النفوذ في المنطقة.


