لا شك ان لبنان يمر في نفق مظلم فيه الكثير من العراقيل والمطبات والتحديات، لكن بإمكانه الخروج منه نحو الضوء والانفراج واعادة بناء البشر والحجر، وقيام الدولة الفعلية بمؤسساتها الدستورية والعسكرية، وبسط سلطتها على كامل أراضيها اذا أحسن الخيار، وتلقف الفرص، واستفاد من التحوّلات الكبرى في المنطقة، وذلك عبر التفاوض الذي يجمع عليه أغلب الاطراف في الداخل على اعتبار أنه المسار الوحيد لا بل الخيار الافضل والانسب والاكثر عقلانية وفق المعطيات السياسية والميدانية للخروج من الظلمة.
وفي السياق، يجري التحضير لعقد لقاء ثالث بين السفيرة اللبنانية والسفير الإسرائيلي في واشنطن خلال الأيام المقبلة وسط حديث عن إمكانية دعوة الرئيس الاميركي دونالد ترامب للرئيس اللبناني جوزيف عون الى البيت الابيض قريبا لمناقشة التفاوض بين لبنان واسرائيل أو لاعلان مواقف واضحة يمكن أن تشكل خطوطا أو عناوين عريضة للتفاوض وسط معلومات تشير الى ان الجانب الاميركي يتفهم الاعتراض اللبناني على اللقاء مع رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو، أقله في المرحلة الراهنة، تخوفا من انفجار داخلي أو أزمة سياسية تعرقل المسار التفاوضي. لذلك، تتم مناقشة اللقاءات الثنائية أي لقاء ترامب مع عون يليه لقاء ترامب مع نتنياهو اذ يؤكد مصدر متابع لموقعنا ان اللقاء بين عون ونتنياهو يأتي تتويجا للمفاوضات أي في ختامها حين يكون قد اتفق الجانبان حول خطوط ومسارات واضحة لا يمكن التهرب من تطبيقها برعاية أميركية.
وتبرز الكثير من الطروحات والافكار التي يتم التداول بها رغم ان لا شيء واضح وأكيد حتى اللحظة، ومن بينها إعادة تفعيل القرار 1701 و"اتفاق الطائف"
وتعزيز ضبط الحدود عبر نقاط مراقبة بإشراف دولي، وإعادة الاعمار بعد الحلّ النهائي، لكن تبقى العقدة الاساس المتمثلة بسلاح حزب الله الذي لا يزال يؤكد يوميا ان ما من قوة تجعله يتخلى عن سلاحه في وقت يصر الجانب الاسرائيلي على توسيع المنطقة العازلة، وتأمين العودة الآمنة لسكان المستوطنات الحدودية.
رئيس مركز ليبرتي للدراسات القانونية والاستراتيجية محمد زكور يقول في حديث لموقع "وردنا" انه في البداية، لا بد من الاشارة الى ان أي كلام عن فصل مسار المفاوضات بين لبنان واسرائيل من جهة، وبين أميركا وإيران من جهة أخرى، هرطقة سياسية. كل من يتحدث عن فصل هذه المسارات لا يفقه بالاستراتيجية بشيء رغم ان مصر وايطاليا وقبرص أعلنوا عن رغبتهم في استضافة المفاوضات اللبنانية- الاسرائيلية، ورغم ان المفاوضات الاميركية- الايرانية تجري في باكستان الا ان اختلاف الأمكنة لا يعني أي شيء. الربط بين الحربين الاميركية- الايرانية واللبنانية - الاسرائيلية هو ربط عضوي وموضوعي، ولا تملك الحكومة اللبنانية ولا الرئيس اللبناني امكانية فكه. وهنا نسأل: ماذا لو وقّع لبنان واسرائيل معاهدة سلام، وفي حال عادت الحرب بين ايران وأميركا، هل سيبقى لبنان بمنأى عنها؟. طبعا، لا لأن قرار الارتباط ليس في يد الحكومة اللبنانية انما في يد حزب الله المرتبط عسكريا وعضويا بإيران.
ثانيا، بعد الحرب العراقية- الايرانية، فهمت ايران ان الحرب استنزفتها، فطوّرت ما يعرف بنظرية حلقات النار التي تقاتل من خلالها عبر الحلفاء، ونجحت بذلك. استمرت ايران في حالة حرب غير مباشرة مع اسرائيل لسنوات طويلة منذ 1988. في حرب ال 12 يوما، شعرت ايران بالنار، وفهمت معنى الخسائر المباشرة جراء الحرب. هذا، يجعلها أكثر تمسكا بالحزب الذي ارتفع سعره كثيرا بالنسبة لها لأن الحرب بالواسطة غير الحرب المباشرة المدمرة. لذلك، أرى ان درّة التاج عند ايران هو حزب الله الذي هو النووي الحقيقي واليورانيوم والباليستي الايراني الفعلي. وبالتالي، نحن متجهون نحو ارتباط ساحات معقد جدا في حال استمر النظام الايراني على ما هو عليه اليوم. الرئيس عون في حال ذهابه الى واشنطن، لا يملك أي شيء أو ضمانة لاعطائها للجانب الاميركي فيما يخص سلاح الحزب لأن قرار السلم والحرب ليس في يد الرئيس أو الحكومة انما في يد إيران والحزب. لذلك، أرى ان ما سيحصل في أميركا لن يكون أكثر من اتفاق هدنة طويلة الامد مثل الاتفاقات السابقة مع اسرائيل. هذا من الناحية السياسية والواقعية. أما من الناحية القانونية والدستورية، فإن المادة 52 من الدستور اللبناني تعطي رئيس الجمهورية حق التفاوض في المعاهدات الدولية التي لا تصبح مبرمة الا بعد موافقة مجلس الوزراء. اما المعاهدات التي تتعلق بمالية الدولة وسائر المعاهدات التجارية والمعاهدات التي لا يجوز فسخها سنة بسنة، فتحتاج لابرامها الى موافقة مجلس النواب. وبما ان معاهدة السلام من المعاهدات التي تربط لبنان بمهلة طويلة الامد، ولا يجوز فسخها سنة بسنة، لذلك، لا يمكن تمريرها الا بموافقة مجلس النواب. اذا، حتى من الناحية الدستورية، لن تمر أي معاهدة دون موافقة واجماع الداخل اللبناني.
ونقول هنا : بدل ان نلتهي بتخوين الحكومة والرئيس عون الذي يقوم بواجبه على أكمل وجه لايقاف هدر الدماء اللبنانية والاعتداءات والدمار الممنهج، علينا دعمه. واذا كان حزب الله صادق بأنه يريد فقط المصلحة الوطنية اذ ان الشيخ نعيم قاسم حدد 4 نقاط بالنسبة له يؤدون الى حل مع اسرائيل، وهي: وقف اطلاق النار، وضمان عدم الاعتداء، وتحرير الاسرى واعادة الاعمار. هذه النقاط التي يطالب بها الرئيس عون أيضا. وبالتالي، من الواضح ان الحزب لا يريد فقط تطبيق هذه النقاط انما يلعب لعبة الوقت والمماطلة لمعرفة ماذا سيحصل مع ايران في حربها مع أميركا. وكل ما يقوم به هو ان يجعل من لبنان ساحة رديفة لايران .
ثالثا، من المبكر جدا الحديث عن معاهدة سلام لأنه يجب احترام شعور الاطراف التي تتكبد الخسائر البشرية والمادية. ومعاهدة السلام بحاجة الى توافق وطني مع انه للاسف، فإن حزب الله عندما جرّ البلد الى الحرب لم ينتظر التوافق الداخلي، لكن دستورنا وواقع الحال ومنعا للانفجار، لا بد من هذا التوافق. لكل هذه الاسباب، أنا أرى ان معاهدة السلام غير ممكنة قريبا، وترامب يمكن أن يمون على الاطراف باتفاق أمني طويل الامد. ومع انني من الداعين الى تسليم سلاح الحزب الامس قبل الغد، لكن حذار من سياسة البعض التي تدعو الى تسليم السلاح قبل التفاوض مع اسرائيل لأنه ورقة من أوراق القوة كما لا بد من اتباع سياسة الخطوة يقابلها خطوة.
ويشدد زكور على انه يمكن ان ننجح في اتفاق أمني طويل الامد اذا تم التنسيق الفعلي وليس التكاذب بين الدولة اللبنانية وحزب الله. ومن يقول في الحزب ان الديبلوماسية لا تجدي نفعا، نقول له: عليك أن تساعد الديبلوماسية لتحقيق النتائج المرضية وليس احراج الدولة واظهارها في الموقع الضعيف. ومن يقول علينا الاستفادة من قوة المقاومة، فالدولة لا يمكن أن تستفيد من هذه القوة الا اذا عملت المقاومة بالتنسيق مع الدولة.


