نشرت صحيفة "واشنطن بوست" تقريراً أعدته جوليا ليدور تناولت فيه تغير أجندات الرئيس الأمريكي ترامب المتعلقة بالحرب في إيران، فعادة ما يقرن إعلاناته عن نهايتها بتهديدات جديدة، مطلقاً تصريحات متناقضة بشكل متزايد حول استراتيجية الولايات المتحدة.
ويعد تغيير الإدارة للجدول الزمني لنهاية الحرب أحد أبرز الأمثلة على تضارب رسائلها، الأمر الذي أدى إلى ارتباك واستدعى تدخلاً من موظفي البيت الأبيض لتصحيح الوضع.
وقبل تمديد اتفاق وقف إطلاق النار الهش إلى أجل غير مسمى في 21 نيسان/ أبريل، ألمح ترامب في أكثر من مناسبة إلى أن الصراع يقترب من نهايته، مقدماً في كثير من الأحيان خططاً غير متماسكة.
وعادة ما تناقضت تصريحات الرئيس بشأن نهاية الحرب مع تهديداته بمواصلة الهجمات على إيران. ففي صباح الأول من نيسان/ أبريل، قال للصحافيين بأن الحرب ستنتهي في غضون ثلاثة أيام، وبعد ساعات، وفي خطاب متلفز للأمة، تعهد بمهاجمة إيران "بشدة بالغة" خلال الأسبوعين أو الثلاثة أسابيع القادمة.
لكن هذه الهجمات لم تنفذ. ووصف ليون بانيتا، الذي شغل منصب وزير الدفاع ومدير وكالة المخابرات المركزية ورئيس موظفي البيت الأبيض في عهد رؤساء ديمقراطيين، خطاب الرئيس بأنه "فريد من نوعه".
وقال ليون بانيت: "تاريخياً وسياسياً، لا أعتقد أنني رأيت من قبل شخصاً في منصب قيادي في السياسة يتبنى هذا التبرير المتغير والمستمر لأفعاله". كما أدلى ترامب بتصريحات متضاربة بشأن أهداف الصراع ودور الولايات المتحدة في مضيق هرمز.
ففي منتصف آذار/مارس، هدد ترامب إيران مطالباً إياها بإعادة فتح المضيق. وبعد عشرة أيام، قلل من أهميته بالنسبة للولايات المتحدة، قائلاً إن الدول التي تعتمد على نفطها ستضطر إلى "الاعتماد على نفسها" لكي تعيد فتحه.
وبعد أسبوعين، عاود تهديداته، وأعلن عن فرض الولايات المتحدة حصاراً على السفن الإيرانية التي تعبر المضيق. وفي يوم الاثنين، أطلقت إدارة ترامب عمليات لمساعدة السفن العالقة على الخروج من المضيق، ليعود بعد يوم ويعلقها.
وقد حذر علي عبد الله، وهو قائد عسكري إيراني بارز، من أن أي قوة مسلحة أجنبية تقترب من المضيق ستُستهدف وتُهاجم. وتحول هذا الممر المائي الحيوي إلى محور المواجهة الخطيرة بين البلدين.
حيث يشكل الحصار الإيراني الفعلي ضغطاً أكبر على الاقتصاد العالمي مما توقعته الولايات المتحدة. وقال بانيت إنه من غير المرجح التوصل إلى أي حل دون استعادة حركة المرور عبر المضيق.
كما غيرت الإدارة الأمريكية موقفها من أهداف الحرب؛ ففي أول خطاب له للأمة عقب الضربات الأمريكية و(الإسرائيلية) على إيران، أشار ترامب إلى أن القضاء على تهديدات النظام الإيراني هدف رئيسي."
وبعد شهر، تراجع عن موقفه، مصرحاً بأن تغيير النظام لم يكن هدفاً قط. ويقول بانيتا إن التناقضات قد تؤثر على مصداقية الإدارة، لا سيما خلال المفاوضات. وأضاف: "ربما قررت إيران منذ زمن بعيد أن كلمة الرئيس لا قيمة لها. ولا يوجد قدر كبير من الثقة على طاولة المفاوضات".
وقالت سوزان مالوني، نائبة الرئيس ومديرة برنامج السياسة الخارجية في معهد بروكينغز، إن أحد التفسيرات المحتملة لتضارب رسائل الإدارة الأمريكية هو استهانة الولايات المتحدة في البداية بقدرة إيران على زعزعة استقرار الاقتصاد العالمي.
وتقول مالوني، التي تركز أبحاثها على إيران والطاقة في الخليج العربي، اعتقد المسؤولون الأمريكيون أن النظام الإيراني سينهار سريعاً وأن الصراع سيكون قصيراً ولن يترك إلا تداعيات اقتصادية محدودة.
وأضافت: "لم يثبت صحة هذا الافتراض، لذا أعتقد أن هناك محاولة لتبرير الفوائد الأقل التي حققتها الولايات المتحدة في إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية"، وقالت مالوني: "نحن نتلقى أفكاره وتفسيراته الآنية عن الوضع، بدلاً من بيان رسمي للسياسة الأمريكية".
كما أن هناك عاملاً آخر قد يزيد من الارتباك حول تصريحات الرئيس، وهو طريقة إيصال هذه الرسائل. فبدلاً من استخدام قنوات الاتصال الرسمية والتقليدية، غالباً ما يستخدم ترامب وسائل التواصل الاجتماعي لتوضيح سياسته بشأن مختلف القضايا.
ويرى بانيت أن إيران لن توافق على اتفاق متعدد الشروط مع الولايات المتحدة، بعدما دخلت المفاوضات إلى طريق مسدود، مضيفاً: "ليست هذه هي طريقة إيران في العمل"، مع أنه يرى ضرورة تقديم الطرفين تنازلات لإنهاء الصراع.
وقال ترامب للصحافيين في البيت الأبيض أواخر آذار/مارس بأن طهران ليست مضطرة لإبرام اتفاق مع واشنطن لإنهاء الحرب. وبدلاً من ذلك، قال الرئيس إنه لوقف الأعمال العدائية، يجب "إعادة إيران إلى العصور البدائية" ومنعها من الحصول على سلاح نووي. و"حينها سننسحب".
إلا أن المحللين يقولون إنه في حين أن الهجمات الأمريكية قد تضعف القوة العسكرية الإيرانية، فإنها لن تغير الشروط التي تعيق التوصل إلى اتفاق، بما في ذلك المواجهة في مضيق هرمز.
وقالت مالوني: "ليس من الواضح لي وجود حل عسكري يمكن تنفيذه في إطار زمني يمنع تلك التداعيات الكارثية على الاقتصاد العالمي".
وأضافت: "أعتقد أن النتيجة النهائية يجب أن تتحقق دبلوماسياً". وتشير مالوني أيضاً إلى أن الانسحاب دون اتفاق قد يُنظر إليه على أنه يتعارض مع دور واشنطن الراسخ في تعزيز السلام العالمي، لا سيما من خلال ضمان المصالح العامة كحرية الملاحة.
وقالت: "من الناحية الواقعية، يمكننا الانسحاب، لكنني أعتقد أن ذلك سيكون مهيناً للغاية ومتناقضاً مع 75 عاماً على الأقل من السياسة الأمريكية في المنطقة".


