كتب رئيس التحرير
يجلس في متبوأه البيروتي، تحيط به لغة الأرقام الصارمة التي أتقنها في عواصم القرار وصالونات الأعمال، لكنه يدرك، ربما أكثر من غيره، أن الأرقام في لبنان لا تملك دائماً الكلمة الفصل إذا ما اصطدمت بأمواج الجغرافيا السياسية العاتية.
فؤاد مخزومي، الرجل الذي وفد إلى السياسة من بوابات الاقتصاد الشاهقة، يجد نفسه اليوم في قلب العاصفة اللبنانية، يحاول صياغة معادلة تجمع بين واقعية "البزنس" وعناد الموازين الإقليمية.
من يراقب مسيرته يرى رجلاً يرفض الغرق في رمال السجالات التقليدية، لكنه لا يتوانى عن خوض المعارك حين تمس "الدولة العميقة" ثوابته. في صوته نبرة بيروتية واضحة، تبحث عن استعادة دور العاصمة التي أنهكتها المحاور، وفي حقيبته رؤية ترى في العروبة، المتمثلة بالعمق الخليجي، مظلة أمان لا غنى عنها لاستقرار لبنان الاقتصادي والسياسي.
خيار التفاوض الصعب: بين المطرقة والسندان
في الآونة الأخيرة، بدا مخزومي وكأنه يرفع سقف المواجهة الدبلوماسية والسياسية إلى حدودها القصوى. حين يتحدث عن الواقع الميداني، لا يتردد في تسمية الأشياء بأسمائها.
يرى أن لبنان وُضع بين مطرقة الآلة التدميرية الإسرائيلية وسندان المغامرات غير المحسوبة التي يقودها "حزب الله"، والتي تجر البلاد إلى دمار متكرر في كل عقد من الزمن.
الموقف الأكثر جرأة وإثارة للجدل في قاموس مخزومي السياسي الأخير، هو دعوته الصريحة وغير المواربة إلى "المفاوضات المباشرة مع إسرائيل"، مستنداً في ذلك إلى أن التفاوض ليس خرقاً للدستور بل ممر إجباري لصون مصلحة لبنان العليا وإنهاء الحروب العبثية. في منطق مخزومي:
"أنت تفاوض من تختلف معه وتخاصمه، لا من يشاركونك الصداقة. والتفاوض اليوم هو الخيار الوحيد المطروح لإنقاذ ما تبقى، ولا نملك ترف الانسحاب منه."
معركة السيادة ونزع السلاح
لا يفصل مخزومي بين الدبلوماسية والسيادة الداخلية. تراه يطالب بحسم بـ "حظر حزب الله بالكامل" بأجنحته السياسية والعسكرية والمالية، معتبراً إياه كياناً واحداً لا يتجزأ يعوق قيام الدولة. بالنسبة له، الحل يبدأ من نقطتين أساسيتين:
* بيروت منزوعة السلاح: إخلاء العاصمة من أي مظهر مسلح وبسط سلطة الدولة وحدها، لحماية المدنيين وتحييد العاصمة.
* إطلاق يد الجيش اللبناني: إعطاء المؤسسة العسكرية صلاحيات وأوامر واضحة وحاسمة للانتشار جنوباً وضبط الحدود، معتبراً أن الجيش هو الضمانة الحصرية والوحيدة لحماية لبنان في ظل الحرائق المشتعلة في الإقليم.
ينظر مخزومي إلى المشهد من نافذة واشنطن والعواصم الغربية التي يزورها بانتظام؛ يحث الإدارة الأمريكية على إرسال الخبراء لدعم الجيش، ويطالب بمعادلة "خطوة مقابل خطوة" تضمن انسحاب إسرائيل بالتوازي مع تقدم الشرعية اللبنانية.
رجل الخيارات المحددة
في كانون الثاني من العام الماضي، حين أعلن انسحابه من سباق الترشح لرئاسة الحكومة لصالح التوافق على اسم القاضي نواف سلام، أثبت مخزومي أنه يتقن مناورات الانسحاب التكتيكي لتسهيل "مشروع التغيير".
هو يعلم أن الرئاسة الثالثة في لبنان تحتاج إلى تقاطعات معقدة، لكنه يفضل البقاء في موقع "العراب" والمحفز لكتل المعارضة.
فؤاد مخزومي اليوم ليس مجرد نائب بيروتي أو رجل أعمال عابر. إنه يمثل صوتاً يرفض التخوين، ويجاهر بضرورة الخروج من "الدولة العميقة" التي أورثت اللبنانيين الإفلاس والعزلة. تكمن معضلته، ومعضلة من يشبهونه، في كيفية إقناع بلد يعيش على العواطف والشعارات، بأن الإنقاذ قد يتطلب أحياناً الجلوس خلف طاولات تفاوض باردة، وتطبيق قرارات دولية صارمة لا تحتمل التأجيل، لأن لبنان -على حد تعبيره- "لم يعد يحتمل".


