لا شك ان لبنان اليوم أمام لحظة تاريخية ربما تكون الاهم والاخطر والاكثر دقة منذ سنوات طويلة لأنها ستحدد مستقبله، وستفتح بابا من بابين أمامه يوصلانه اما الى طريق السلام النهائي عبر الاستفادة من الظروف الدولية والاقليمية المستجدة أو المزيد من التصعيد والحروب والدمار والاحتلال.
السلطة بأركانها ليست في موقف يُحسد عليه في ظل كل التطورات الميدانية والديبلوماسية والمواقف الداخلية من قبل "حزب الله" الذي يقود حملة تهديدية وتهويلية ضد رئيس الجمهورية والحكومة ورئيسها، ويرفض المفاوضات التي يعتبرها لم تقدم خطوة، ويرى ان الدولة تحولت الى آداة في يد اسرائيل من خلال القرارات المتخذة والتي تضعف الوضع الداخلي، ولديه قناعة ان الميدان صاحب الكلمة الفصل وأي تفاهم أو تفاوض يجب أن يكون الحزب مشاركا فيه مع التمسك بالمفاوضات غير المباشرة بوصفها مساراً تفاهمياً بحيث ان التفاوض المباشر سيكون عاملا خلافيا اضافيا، وربما يؤدي الى تصعيد نعرف كيف ومتى يبدأ لكن لا أحد يعلم كيف ينتهي وسط التهديد والوعيد بالفتنة واللجوء الى الشارع وصولا الى تهديد رئيس الجمهورية "الذي لن يكون أهم من أنور السادات".
على أي حال، وسط كل هذه الضغوط، والحسابات السياسية الدقيقة، يبدو ان الدولة اتخذت قرارها في الامساك بزمام الامور، وتشير التطورات والاتصالات القائمة على اعلى المستويات الى ان الدولة تسير بثبات وعزم في مسار تفاوضي بين لبنان واسرائيل برعاية أميركية وبمواكبة العديد من الدول العربية الشقيقة والصديقة التي تعتبر كما الاكثرية اللبنانية ان الفرصة جدية أمام لبنان للسير في المسار السلمي الذي يلوح في المنطقة.
إرباك داخل القيادة في الحزب
وما لفت في الساعات الماضية المواقف التي أطلقها أمين عام "الحزب" الشيخ نعيم قاسم الذي دعا إلى "أقصى التعاون بفتح صفحة جديدة مع السلطة مبنية على تحقيق سيادة وطننا" في وقت تكثر فيه الاسئلة عن سبب اصدار مثل هذا الموقف بعد القصف السياسي العنيف من قبل قادة الحزب على رئيس الجمهورية.
الكاتب والمحلل السياسي جورج علم رأى ان ذلك دليل ارباك داخل قيادة الحزب الذي لم يعد كما عرفناه في العشر سنوات السابقة، لكن التصريحات التي صدرت عن مسؤولين حاليين أو سابقين، بمثابة اخبار للسلطات الرسمية. هل تحركت هذه السلطات؟ هل تحرك الامن العام أو المخابرات أو أمن الدولة أو قوى الامن الداخلي أو القضاء اللبناني؟ شخص يهدد رئيس الجمهورية والسلطة غائبة كأن شيئا لم يكن. هذا دليل اضافي على عجز الدولة، وعلى عدم الاقدام على تحمل مسؤولياتها كما يجب، وبطبيعة الحال هذا يشجع على الاستمرار في التمادي، ما يضع لبنان على كف عفريت. عندما تفقد الدولة مصداقيتها امام شعبها وامام الرأي العام العربي والاقليمي والدولي، فمعنى ذلك انها أصبحت دولة صورية ما ينعكس على المفاوضات باعتبار ان الاسرائيلي يقول صراحة: أريد التفاوض لكن اذا اتخذنا قرارا في المفاوضات هل تستطيع الدولة اللبنانية ان تضعه موضع التنفيذ أو يبقى حبرا على ورق. انه سؤال في عهدة المؤسسات الرسمية في الدولة.
لا تفاوض الا اذا حٌجم حزب الله في لبنان
وفيما تشير المعلومات الى انه يجري التباحث بشأن اجراء اتصال ثان بين الرئيس عون والرئيس دونالد ترامب على اعتبار ان الاتصال الاول في 16 نيسان الحالي شكل نقطة تحول في العلاقات اللبنانية- الاميركية،وبداية فك ارتباط المسار اللبناني عن تلك الايراني مع ترجيح ان يعقد لقاء لبناني-إسرائيلي في واشنطن منتصف الأسبوع، لا بد من التساؤل: هل ستسير هذه المفاوضات نحو تحقيق الاهداف في ظل اصرار "الحزب" على رفضها لا بل يدعو الى الغائها؟ وعلى ماذا يراهن "الحزب" رغم توجه إيران الى التفاوض والحل النهائي مع واشنطن؟
الكاتب والمحلل السياسي جورج علم يرى ان الدولة اللبنانية بكامل مؤسساتها أظهرت عن ضعف أو عن خوف أو عجز في تنفيذ القرارات التي تتخذها خوفا من حرب أهلية، لكن هذه الدولة انكشف ضعفها على المستوى العربي والاقليمي والدولي: اتخذت قرارا بحصر السلاح لم تتمكن من تنفيذه. اتخذت قرارا بطرد السفير الايراني، لم تتمكن من فعل ذلك. اتخذت قرارا بحظر الجناح العسكري لحزب الله لكن لم تتمكن من اتخاذ أي تدبير . كل ذلك، يعطي الحزب قوة لكي يتمسك أكثر فأكثر بسلاحه، وبرفض الدولة. الغريب في الموضوع ان حزب الله موجود في المجلس النيابي والحكومة، وقراراته مغايرة للدولة أو كأنها محاولة انقلاب على الدولة التي لا تزال مستسلمة وغير قادرة على ردعه. وهذا يجعل الامور على ما هي عليه أي أمر واقع مفروض على لبنان يأخذه الى المزيد من الانقسام والتشرذم كونه ورقة بين المطرقة الاسرائيلية والسندان الايراني، واللبنانيون يدفعون الثمن.
لا يمكن التفاوض الا اذا حٌجم حزب الله في لبنان، وسلم سلاحه للدولة، وعاد كحزب سياسي تحت كنف الدولة. في حال تمكن الاميركي من الوصول الى صفقة مع الايراني تأخذ بعين الاعتبار دور الحزب في لبنان وضرورة تحجيمه، حينها يمكن للدولة اللبنانية ان تفاوض عن كل لبنان.لكن، عندما يكون هذا الفريق ضد التفاوض المباشر، ويهدد رئيس الجمهورية، يعني ان التعطيل لا يزال قائما وفق ما قال علم الذي اعتبر ان الدولة تستقوي بالدور الاميركي لتدوير الزوايا الحادة، والاسرائيلي ليس جمعية خيرية انما له مطامع تاريخية في لبنان، ويرى ان الفرصة مؤاتية لتنفيذ مطامعه، وهو حوّل الجنوب الى أرض محروقة خالية من البشر والحجر، ويحقق أهدافه شيئا فشيئا. وبالتالي، لا يمكن ان تكون الدولة دولة الا اذا استطاعت تنفيذ كل القرارات التي تتخذها، واذا لم تفعل ذلك، فلن يكون حزب الله وحده المستقوي انما هناك أحزاب أخرى ستستقوي في ظل نظام طائفي مذهبي قائم على التوافق أو ما يسمى بالديموقراطية التوافقية. اما ان تكون هناك دولة قادرة على فرض سلطتها واما الديمقراطية التوافقية التي لن تتمكن من انتاج دولة.
وأشار علم الى ان الحزب يستقوي بإيران وله مشروعه في لبنان في الاستيلاء على الدولة، ويريد دائما أن يمتلك قرار الحرب والسلم. يأخذنا الى الحرب ساعة يريد ويعيدنا ساعة يشاء. هذا يعني نوعا من الانقلاب على مؤسسات الدولة، وعلى الصيغة التوافقية باعتبار انها ترفض أن يستقوي حزب بالخارج، ويملك السلطة في لبنان، لأن ذلك يؤدي الى زعزعة الوحدة الوطنية وربما تعريض الكيان اللبناني الى التفتيت. مشروع الحزب واضح في جعل لبنان محافظة تابعة لإيران. وليس لدي ثقة بكل ما يقوله الرئيس الاميركي. اذا نفذ وعوده بإعادة انعاش الدولة وتحريرها من الهيمنة الايرانية، نكون له من الشاكرين، لكن لا نبني سياسات مستقبلية على خطاب يتغير بين لحظة وأخرى. المصداقية الاميركية اليوم على المحك: اما ان تبادر بالضغط على ايران لسحب فتيلها من لبنان وهي قادرة على ذلك أو لا يمكن البناء على خطاب .


